الملخص التنفيذي لمشروع دولة المواطنة
الملخص التنفيذي لمشروع دولة المواطنة.
الفرضية الاساسية التي ينطلق منها مشروع دولة المواطنة هي ان الجذر والمسبب الرئيسي للمأزق الليبي يكمن في ( النموذج الريعي الليبي المتحور ) الذي يقوم على هيمنة وسيطرة الحكومة المطلقة على الدولة وعلى موارد ومقدرات الدولة، وبالتالي الهيمنة والسيطرة على موارد ومقدرات المواطنين الذين هم اصحاب الدولة ووضع هذه الموارد والمقدرات والسلطات تحت التصرف الشبه مطلق لمجموعة الافراد الذين يتولون المناصب العليا في الحكومة والذين لا يتجاوز عددهم في العادة بضعة افراد ولكنهم يمتلكون سلطات وصلاحيات التصرف في موارد ومقدرات ومصير 99.99٪ من باقي سكان هذا البلد، وسيتم توضيح وشرح طبيعة هذا النموذج بالتفصيل في اجزاء اخرى من هذه الوثيقة، والاهم من ذلك توضيح الفارق الجذري بين هذا النموذج البدائي ونموذج دولة المواطنة الحديثة الذي تطبقه بشكل عملي العشرات من الشعوب التي تجاوزات النماذج والصيغ البدائية المنتهية الصلاحية.
هذا النموذج الريعي لم يؤدي فقط الى استنزاف الدولة وتحويلها الى ما يشبه الغنيمة، واصابة الدولة بالشلل والترهل وتضخم غول الفساد الذي هو أحد الاعراض الخارجية السطحية للنموذج الريعي، ولكنه ادى ايضا الى انتشار واستفحال الصراعات والحساسيات والاحقاد بين ابناء الوطن الواحد من اجل الهيمنة والسيطرة على غنيمة الريع والاستحواذ عليها وما ينتج عن هذه الصراعات من ضغائن وشحناء وتنافر وانقسام.
لقد برهنت التجارب المتكررة بما لا يدع ادنى مجال للشك ان الاعتقاد ان هذا الوضع الريعي البدائي يمكن معالجة نتائجه واثاره الكارثية عن طريق ”تطبيق القوانين“ وعن طريق تشديد الرقابة والمحاسبة هو مجرد سراب لا علاقة له بالواقع لان اغلب او ربما جميع القرارات والاجراءات تتم في الواقع باسم القانون نفسه وبالوثائق والتوقيعات المخولة وحسب الاجراءات القانونية المعروفة.
والتجارب المتكررة برهنت ايضا على ان الاكتفاء بتغيير الاسماء والوجوه والشعارات واليافطات والديكورات الاخرى مع بقاء نفس النموذج الريعي سوف لن يحقق الا نتيجة واحدة متكررة وهي زيادة سوء وتورم الاوضاع، وهذا لا يعني مطلقا التقليل من اهمية التداول السلمي واتاحة الفرص للدماء الجديدة المتجددة، ولكن التداول السلمي في ظل استمرار نفس النموذج الريعي الحالي سوف يؤدي فقط الى تكرار نفس النتائج السابقة، غالبا بطريقة اكثر كارثية.
فما الي يمكن عمله تجاه هذا الوضع؟
بالامكان تقسيم إجابة هذا السؤال الى جزئين ضروريان لا غنى عنهما:
الجزء الأول:
يتعلق بما يمكن ان نطلق عليه (الاطار الفكري النظري) الذي يتعلق بتشخيص الحالة بعيدا عن ظاهرة خلط الاعراض الخارجية السطحية مع المسببات والجذور، ويتعلق ايضا بتحديد المفاهيم والتعريفات بحيث يتكون فهم مشترك يمكن العمل على اساسه بدون تناقضات، وبحيث يقف الجميع على قاعدة فكرية مشتركة بما يمكن من بناء الرؤية وتحديد أسس وملامح الصيغ الإدارية والوسائل والاليات الضرورية، ووضع العلامات التي توضح الاتجاه وتوضح ملامح الطريق، مع التأكيد على عدم وجود شئ اسمه (حل نهائي) ولا شئ اسمه (نهاية المطاف) بل الموجود هو اجتهادات وبيئة ديناميكية قابلة للتكيف حسب المعطيات الديناميكية المتغيرة.
مشروع دولة المواطنة يهدف بشكل اساسي الى محاولة تغطية هذا الجزء الاول وتقديم ملامح خارطة للطريق نحو الخروج من الوضع الريعي الاقطاعي الحالي الى دولة مواطنة تنتمي الى هذا العصر وتتحقق فيها مقومات الدولة، ونحن نزعم ان هذا المشروع قطع اشواط طويلة في هذا الاتجاه ونجح الى حد كبير في تغطية هذا الجزء الحيوي الاساسي الذي يعتبر القاعدة التي يقوم عليها البناء، وسوف لن يكون هناك بناء بدون هذه القاعدة الفكرية النظرية، وحتى وان ظهر بناء فانه سيكون على الارجح بناء عشوائي مثقل بالثغرات ونقاط لضعف، وسيكون مصيره على الارجح مثل مصيره ما سبقه من محاولات.
الجزء الثاني:
يتعلق بتحويل هذا الاطار الفكري النظري والرؤية الى واقع ملموس قائم على الارض، وتحقيق هذا الجزء سوف لن يكون ممكنا الا اذا توفرت (الكتلة الحرجة)، وهذه الكتلة الحرجة تتكون بدورها ايضا من عنصران ضروريان:
العنصر الاول:
يتمثل في كتلة حرجة من النخب الوطنية المؤهلة من الذين لديهم الاستعداد للاطلاع على مشروع دولة المواطنة والاقتناع بالاطار الفكري والمضمون والاسس العامة والخطوط العريضة التي يقوم عليها، والمساهمة في تطوير وانضاج هذا الاطار الفكري، مع بقاء فرص التنوع عندما يتعلق الامر بالتفاصيل التنفيذية الفنية، وحجم هذه الكتلة الحرجة سوف يعتمد على عوامل عديدة أهمها درجة الاستيعاب والاقتناع بالاطار الفكري والاستعداد للمساهمة والمشاركة الفعالة والقدرة على العمل الجماعي بروح الفريق وطول النفس ونكران الذات وغيرها من الصفات المعروفة، وبالامكان القول ان وجود بضع مئات من النخب الليبية الوطنية المستعدة للالتفاف حول هذا المشروع والعمل الجماعي من اجل تطويره وإنضاجه وتقديمه وايصاله الى الشعب الليبي سوف يكون له فرص نجاح واقعية حقيقية، وسوف يشكل ثقل حقيقي في المشهد السياسي الليبي الذي اصابه الضجر والملل من الخطاب الشعبوي الانشائي السائد ولم يعد يهتم او يكترث بهذا الخطاب، واصبح يبحث عن المضمون والجوهر والقابلية للقياس.
العنصر الثاني:
يتعلق بتوفر الكتلة الحرجة من القاعدة الشعبية العريضة التي لديها الاستعداد للاطلاع على المبادئ والاسس العامة المبسطة لمشروع دولة المواطنة مثل حقيقة النموذج الريعي الحالي وملامح البديل لهذا النموذج وما هو الدور الطبيعي للحكومة وغيرها من الاسس العامة المبسطة دون الحاجة الى الغوص في التفاصيل الفنية التنفيذية، مع توفر مستوى مناسب من التقة في النخب التي تقدم هذا المشروع، وهذه القاعدة الشعبية مستعدة لتبني هذا المشروع والدفع به والعمل في اطاره والمطالبة عبر الوسائل السلمية المشروعة بتحويله الى واقع قائم على الارض، وبالامكان القول ان توفر نسبة 1٪ من الليبيين الذين ينطبق عليهم هذا الوصف سينتج عنه ظهور فرصة حقيقية واقعية لتحويل مشروع دولة المواطنة الى واقع على الارض.
الوصول الى تحقيق هذه الاهداف السامية هو جوهر ومضمون مشروع دولة المواطنة، مع التذكير ان الموضوع يتعلق بإنقاذ بلد وبناء وإدارة دولة وهو موضوع جسيم وليس نزهة، ويتعلق بمنظومة مترابطة ومتشعبة ومعقدة اسمها (منظومة الدولة)، ومن المستحيل في هذه المنظومة فصل السياسة عن الاقتصاد، أو فصل الاقتصاد عن السياسة، أو فصل الامن عن الاقتصاد، وهكذا مع باقي العناصر والمكونات الاخرى بما في ذلك الجوانب الاجتماعية والعلاقات الخارجية، وغيرها، فهذه كلها عناصر لا تتواجد معزولة لوحدها في الفراغ بل هي عناصر ومكونات واجزاء في منظومة الدولة المترابطة والمتشابكة، وهي مثل الجسد الواحد الذي اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى، مع التسليم ان هناك المنظومة عناصر ومكونات اساسية ضرورية لا غنى عنها، وهناك عناصر ومكونات اخرى قد يكون بامكان المنظومة تحمل تبعات تعثرها او تأخرها او حتى تعطلها لبعض الوقت.
ان تفكيك النموذج الريعي وتحقيق النقلة الى دولة مواطنة تنتمي الى هذا العصر سيحتاج الى العمل على محاور عديدة متوازية في نفس الوقت، واهم هذه المحاور هي بطبيعة الحال المحور السياسي والمحور الاقتصادي، ويشمل ذلك العناصر والمكونات العديدة التي يحتويها هذان المحوران مثل الشكل السياسي المناسب للدولة الليبية، ونقل العملية الديمقراطية من الطقوس والديكورات والاستخفاف بالناس كما هو الوضع الحالي الى عملية ديمقراطية حقيقية متوازنة، ونظام الحكم المحلي، والسياسات النقدية ونظام الضرائب، وغيرها، وسيتم التركيز في هذه الوثيقة على المحوران السياسي والاقتصادي بما في ذلك العناصر التي تتبعهما بالاضافة الى الملحقات التي تتناول ببعض المفاهيم والجوانب ذات العلاقة، ومن المهم جدا التذكير بحقيقة ان المحاور تتحرك في (مسارات متوازية) وليس بالضرورة متعاقبة او متسلسلة، ومن المهم ايضا التنويه الى ان الإطلاع على هذه الوثيقة قد يحتاج الى بعض التركيز والمرونة وسعة الافق لانها تتجاوز بشكل كامل النمط التقليدي السياسي الليبي المعتاد الذي تحولت فيه الحكومة الى غاية بدل ان تكون وسيلة واصبح مضمونه ينحصر في المحاصصات واقتسام المناصب والصلاحيات والامتيازات.
والله الموفق.