مشروع دولة المواطنة
رسالة إلى الذين يهمهم أمر ليبيا:
الوضع المؤسف الذي تمر به ليبيا منذ عقود لا يخفى على أحد ولا يحتاج إلى بدل الجهد والوقت لتوصيفه والحديث عنه وعن اثاره الكارثية، فكل ذلك واضح ومحسوس للجميع تقريبا، والذي يحتاج فعلا الى بدل الجهد والوقت هو البحث عن السبيل للخروج من هذا الوضع الذي طال أمده بدون مبرر.
بالنسبة الى المبادرات والمقترحات و "المشاريع" السياسية التي يطرحها أصحابها وتتزاحم على المشهد السياسي الليبي للخروج من هذا الوضع فأن بالإمكان إختصار مضمونها وجوهرها في بضع كلمات قليلة تقول "اعطونا الصلاحيات والسلطات والمناصب والموارد ونحن سوف نصنع لكم الحل“!
هذا هو جوهر ومضمون المبادرات والمقترحات و "المشاريع" السياسية المطروحة على المشهد الليبي للخروج من المأزق، والباقي الذي تحتويه هذه المبادرات هو عبارة عن بعض الديكورات والمقاطع التعبيرية الانشائية الهلامية الغير قابلة للقياس التي تتحدث عادة عن الوطنية والحرص على مصلحة الوطن وضرورة انقاد البلاد في اسرع وقت، طبعا عن طريق تمكين اصحاب تلك المبادرات من المناصب والصلاحيات والموارد! وإذا كنت في شك من ذلك فإن بوسعك الاطلاع على هذه المبادرات والمقترحات وسوف ترى بنفسك ان مضمونها وجوهرها لا يتجاوز نطاق المطالبة بتشكيل حكومة جديدة لكي تحل محل الحكومة ـ او الحكومات ـ الحالية، والمحاصصات واقتسام المناصب والصلاحيات والموارد، بالاضافة الى باقي المقاطع الإنشائية المعتادة التي تتحدث عن ضرورة إنقاذ الوطن وتوفير الحياة الكريمة للرعايا عن طريق تكرار تجريب نفس المجرب الذي سبق وأن تم تجريبه بضع آلاف من المرات وكان اصلا السبب الرئيسي في إيصال هذا البلد الى الوضع الذي هو فيه، هذا لا يعني مطلقا التشكيك في سلامة نوايا أصحاب هذه المبادرات والمقترحات، ولكن يعني فقط أن هذا هو النمط والثقافة والسياق السائد في البيئة والثقافة والممارسة السياسية الليبية التقليدية التي يبدو أنه لم تتح لها حتى الآن الفرصة لكي تنمو وتكبر وتخرج من القوقعة القديمة المنتهية الصلاحية وتصل على الاقل الى بعض مراحل النضج الأولية، وهو قبل ذلك نتيجة حتمية لطبيعة الصيغة او التركيبة الادارية الليبية التي تقوم وتعتمد بشكل كامل على النموذج الريعي الليبي المتحور، وسوف يتم توضيح المقصود بتوصيف (المتحور) لاحقا في هذه الوثيقة.
(مشروع دولة المواطنة) الذي تهدف هذه الوثيقة المختصرة الى تقديم ملامحه واسسه الاولية العامة يهدف بشكل أساسي الى الخروج من هذه الدائرة العبثية المغلقة التي يركض ويلهث فيها هذا البلد منذ عدة عقود دون تحقيق نتيجة او حتى ظهور بصيص امل في اخر النفق رغم كل الموارد والامكانيات المتاحة والفرص السانحة المتعاقبة، وهذا قد يبدو للبعض طموحات وأسقف عالية خاصة بالنظر الى شعور الكثيرين بالقنوط والتوجس والشك في كل شيء بسبب كثرة التجارب الفاشلة وخيبات الامل المتكررة، ولكن الله ميز الانسان بالعقل والحواس والقدرة على التمييز، وجعله مُكلف ومسؤول عن كل ذلك، والدعوة موجهة إلى كل من يهمه أمر هذا البلد للاطلاع على هذه الوثيقة بالتركيز والتريث والتفكير وسعة الأفق الذي يتناسب مع طبيعة الموضوع الجسيم، ثم اختيار الموقف المناسب الذي يمليه العقل والضمير والمسؤولية أمام الله ثم أمام النفس والوطن، مع التذكير والتأكيد أن هذه الوثيقة مختصرة ومركزة إلى أبعد الحدود وتهدف في المقام الأول إلى تكوين إطار فكري عام ونقطة انطلاق مشتركة دون التوسع في التفاصيل العميقة والواسعة التي يتطلبها مثل هذا الموضوع، وترك تلك التفاصيل الى مجهود آخر منفصل سيكون بعون الله استمرار وتوسيع واستكمال لهذه الوثيقة.
المحور الأول الذي تتكون منه هذه الوثيقة هو توضيح ومناقشة الاساس او الفرضية التي ينطلق منها مشروع دولة المواطنة والتي تنص على ان الجذر والمسبب الرئيسي للمأزق الليبي يكمن في النموذج الريعي المتحور والمنتهي الصلاحية والغير قابل للترقيع الذي لا يزال الى هذه اللحظة يجثم على صدر هذا البلد ويكتم انفاسه ويهدر موارده و مقدراته بشراهة مثيرة للفزع ويشل حركته ويشعل الصراعات والضغائن بين اهله ويحرمه من اي فرصة للنمو بغض النظر عن كمية الموارد والامكانيات المتاحة، وبغض النظر عن الاسماء والوجوه والسحنات المتصدرة، وسوف يتم تناول هذه الفرضية بالشرح والتفصيل في هذه الوثيقة.
المحور الثاني هو تقديم ملامح البديل المنشود والقابل للقياس الذي يطمح مشروع دولة المواطنة الى ان تصبح صورة ومضمون هذا البديل مفهومة وحاضرة في وجدان وتفكير نسبة كافية من الليبيين، وعندما يتحقق ذلك فأن تحقيق النقلة من الوضع الحالى المأزوم الى هذا البديل يصبح امر شبه حتمي، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، وحتى تتكون لديهم في وعيهم الجمعي صورة واضحة محددة قابلة للقياس عن البديل الذي يطمحون الى الوصول اليه ويعملون من اجل تحقيق ذلك عبر صيغ ادارية ووسائل واليات واضحة ومحددة وهو ما سوف يتم الحديث عنه في المحور الثالث من هذه الوثيقة الذي يتحدث عن ملامح واسس الصيغ والاليات والمراحل التي يمكن عن طريقها تحقيق النقلة من الوضع الحالي الى البديل الذي تم تحديد ملامحه بطريقة قابلة للقياس.
وبالاضافة الى هذه المحاور الثلاثة فان الوثيقة تحتوي على عدد من الملاحق التي تتحدث عن بعض المفاهيم والجوانب التي تتعلق بموضوع بناء وادارة الدول في القرن 21، وهذه الملاحق لا تقل اهمية عن المحاور الثلاثة.
وبإختصار فأن الهدف المحوري لمشروع دولة المواطنة هو تقديم ملامح الصيغ والآليات والوسائل العملية التي يمكن عن طريقها تفكيك النموذج الريعي الليبي المتحور وتحقيق الانتقال من هذا النموذج المنتهي الصلاحية إلى نموذج دولة مواطنة حديثة تنتمي إلى هذا العصر ويقع فيها الفصل بشكل حاسم وواضح وعملي محسوس بين الدولة والحكومة، وتنتهي فيها ظاهرة هيمنة الحكومة على الدولة وعلى موارد ومقدرات الدولة، وتعود فيها الحكومة بشكل عملي ملموس الى دورها ووضعها الطبيعي كموظف عمومي يعمل عند الدولة بموجب توكيل أو تخويل مؤقت ومحدد ومشروط صادر عن مواطني الدولة الذين تستمد الدولة سيادتها وشرعيتها منهم، وهذا الكلام ليس خيال أو نظريات أو يوطوبيا كما قد يظن البعض ولكنه واقع عملي قائم تطبقه في هذه اللحظة العشرات من الشعوب الواعية التي حققت لنفسها النقلة التاريخية، مع الحرص على تحقيق افضل مستوى ممكن من التوازن بين الاستفادة من تجارب الشعوب ومن التراث الإنساني الذي ساهم جميع البشر بدرجات متفاوتة في صنعه وتجنب الوقوع في ظاهرة إعادة اختراع العجلة، وفي نفس الوقت مراعاة خصوصيات وطبيعة وظروف الحالة الليبية التي تميزها عن غيرها.
الهدف المحوري الاخر الذي يكمل الهدف الاول المذكور اعلاه هو تحقيق الانتقال من حالة الصراع الحالي العبثي المستمر على مأزق واشكالية ( توزيع الثروة ـ Wealth Distribution )، الى وضعية ( صناعة الثروة ـ Wealth Creation ) عبر توظيف الموارد والإمكانيات المتاحة من أجل تحقيق نهضة تنموية اقتصادية يشارك فيها الجميع و يعود مردودها على الجميع في ظل تكافؤ الفرص بين الجميع، ليس عن طريق الشعارات الهلامية الفضفاضة بل عبر منظومة من الصيغ والوسائل العملية الملموسة القابلة للقياس التي سيتم توضيح ملامحها العامة.
فإذا كنت من الذين يهمهم امر ليبيا ويهمهم بالتالي امر انفسهم ويرتبط مصيرهم وحاضرهم ومستقبلهم بمصير وحاضر ومستقبل هذا البلد، ومن الذين يشعرون بخيبة الأمل ونفاد الصبر من تكرار التجارب الفاشلة وانسداد الأفق السياسي وغياب البوصلة، وغياب الرؤية الناضجة والمشروع الوطني الحضاري الحقيقي الذي يتناسب مع هذا العصر المعقد المتشابك ويتجاوز دوامة الاكتفاء بتغيير الوجوه والأسماء والديكورات والشعارات الفضفاضة والقشور إلى التغيير الحقيقي البنيوي الذي يتعامل مع جذور و مسببات حالة الإخفاق والركود والفشل المزمن الذي طال أمده بدون مبرر، واذا كنت من الذين لديهم القناعة أن ليبيا تمتلك من الموارد والإمكانيات والمقومات ما يؤهلها لكي تتبوأ مكانها الطبيعي المناسب بين الامم وتوفر لمواطنيها ظروف الحياة الآدمية الإنسانية الكريمة، اذا كنت من هؤلاء ومن الذين يبحثون جادين عن الطريق للخروج من هذه المتاهة ولديهم العزم والاستعداد للمشاركة والمساهمة بما يمكنهم في مشروع وطني نهضوي حضاري يهدف إلى نقل هذا البلد من دوامة الاخفاق والفشل والعشوائيات والاقطاع إلى وطن ينتمي إلى هذا العصر وقادر على حماية سيادته وحماية مواطنيه وتوفير الفرص المتكافئة لهم بما يمكنهم من حقهم المشروع في المساهمة في بناء وطنهم وتوفير ظروف الحياة الادمية والانسانية لأنفسهم، إذا كنت من هؤلاء فإنك مدعو للاطلاع بتأني وتركيز وسعة افق على هذه الوثيقة المختصرة التي تتضمن الملامح الأولية لمشروع نهضوي حضاري تحت عنوان ( مشروع دولة المواطنة )، ومدعو ايضا للمشاركة والمساهمة عبر الوسائل السلمية المشروعة في عمل وطني جماعي يهدف الى تحويل مضمون هذه الوثيقة الى واقع قائم على الارض.
مع التذكير أن هذه الوثيقة تتجاوز بشكل كامل النمط التقليدي المعتاد الذي يطغى على العمل السياسي الليبي الذي لا يكاد يتجاوز نطاق المحاصصات وتغيير الأسماء والوجوه والديكورات واقتسام المناصب والامتيازات على حساب شعب وبلد منهك لم يعد قادر حتى على توفير الخدمات الادمية الاساسية، والوثيقة تسعى الى طرح إطار فكري عملي يتجاوز القوالب النمطية التي تجاوزها التاريخ، والى تحقيق أفضل مستوى ممكن من التوازن بين خصوصيات الحالة الليبية وفي نفس الاوقت تحقيق افضل استفادة ممكنة من تجارب الشعوب والتراث الانساني المشترك في بناء وادارة الدول دون الوقوع في ظاهرة النقل الحرفي الذي لا يحترم السياق والخصوصيات، ودون الوقوع في ظاهرة هدر الوقت والجهد والموارد من اجل اعادة اختراع العجلة، والتوفيق من عند الله، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم، واللهم قد بلغنا، اللهم فاشهد.
حراك دولة المواطنة.