مشروع دولة المواطنة

تحدي تفكيك النموذج الريعي

تفكيك النموذج الريعي الليبي. (مسودة اولية).. بالامكان وصف الطريقة التي تعمل بها الدولة الليبية حاليا حسب النموذج الريعي الليبي في اسطر قليلة كالاتي: ” تتحصل الحكومة على عوائد البترول الريعية، ولديها الصلاحيات القانونية للتصرف في هذه العوائد لتغطية المصاريف والنفقات والمشاريع حسب ما يراه ويقرره الافراد الذين يتولون المناصب القيادية العليا في الحكومة والذين لديهم صلاحيات وسلطات القرار والصرف، وعدد هؤلاء الاشخاص لا يتجاوز بضعة اشخاص، ومن الناحية الاجرائية الشكلية فأن كل شئ يتم في الغالب حسب القانون وحسب الصلاحيات الممنوحة وبالوثائق والمستندات والتوقيعات والاختام، والمشهد يضم بعض الاجهزة الرقابية التي لا يكاد يتجاوز دورها توثيق المخالفات التي قد تحدث من الناحية الشكلية مثل ان احد المستندات لا يحتوى على الختم او الرقم الاشاري، بالاضافة الى قيام هذه الاجهزة الرقابية باصدار التقارير السنوية التي اصبحت تكاد تكون نسخة مطابقة من تقارير السنة التي سبقتها “. هذا هو تقريبا جوهر ومضمون النموذج او الصيغة التي تعمل وتدار بها الدولة الليبية حاليا حسب النموذج الريعي الليبي، والباقي عبارة عن تفاصيل ورتوش جانبية هامشية لا تأثير حقيقي لها. بدائية وسطحية هذا النموذج الريعي لن تبدو واضحة الا عند مقارنتها بالصيغ التي تعمل بها الدول الحديثة والتي سيتم توضيح بعض ملامحها وجوانبها خاصة في ما يتعلق بالنموذج الذي يقدمه مشروع دولة المواطنة لتفكيك هذا الوضع الريعي وتوظيف الموارد الريعية المتاحة من اجل بعث نهضة تنموية يشارك فيها جميع المواطنين ويعود مردودها على جميع المواطنين عبر صيغ واليات ووسائل عملية سيتم التطرق اليها وتوضيح ملامحها العامة. لقد ادى وضع التركيز المطلق والمفرط للموارد الريعية والصلاحيات بهذه الطريقة البدائية السطحية تحت سيطرة وتصرف مجموعة الافراد الصغيرة التي تتكون منها الحكومة الى اشتداد الصراع والتطاحن على مناصب وصلاحيات الحكومة، ووصل هذا الصراع حاليا الى مرحلة خطر الحرب الاهلية وتقسيم البلاد وتهديد وجود هذا البلد من اساسه، بالاضافة الى المشاكل والاخفاقات الاخرى التي لا تخفى على احد مثل تردي مستوى الخدمات وتقهقر عملية التنمية وانتشار واستفحال الفساد والفشل والبطالة وتأكل الطبقة الوسطى وانتشار مظاهر الفقر، بل وصل الامر الى انتهاك سيادة الدولة من طرف القوى الخارجية، والذي يدفع الثمن الباهظ هم سكان هذا البلد الذين اصبحوا عاجزين عن الحصول على ابسط الخدمات مثل الكهرباء والماء والدواء والتعليم بينما يشاهدون مقدراتهم ومواردهم يتم العبث بها وهدرها بصور مثيرة للفزع! المؤكد من خلال التجارب المتكررة هو ان مشاكل الصراعات على السلطة والتطاحن والانقسامات والفساد والفشل التنموي سوف لن تكون قابلة للحل عن طريق الاستمرار في تكرار تجريب اساليب المحاصصات واقتسام المناصب وتشكيل الحكومات وتغيير الوجوه والاسماء مع بقاء نفس النموذج الريعي البدائي في مكانه والذي هو اصلا المسبب الاول والرئيسي لهذه الصراعات، ولذلك فأن الطريق الى حل مشكلة الصراعات والتطاحن والانقسامات هو عبر التخلص من النموذج الريعي الحالي واستبداله بنموذج دولة المواطنة الحديثة التي تتحول فيها الحكومة بشكل عملي فعلي الى (موظف عمومي) يعمل عند الدولة بموجب توكيل مؤقت ومشروط ومحدد صادر عن المواطنين الذين هم اصحاب الدولة وبالتالي اصحاب السيادة، وهؤلاء المواطنون هم الذين يتولون الصرف والانفاق على الحكومة بمستوياتها المركزية والمحلية عبر الرسوم التي يقومون بتسديدها في مقابل الخدمات المباشرة وعبر الضرائب التي هي نسبة محددة ومتفق عليها من عوائد النشاط الاقتصادي الذي يمارسه هؤلاء المواطنون. في هذا الترتيب المتوازن تنتهي ظاهرة (غنيمة الحكومة الريعية) التي يتصارع عليها المتصارعون، وتحل محلها حكومة تعمل بموجب (تفويض) او (توكيل) صادر عبر الوسائل الديمقراطية (الانتخابات) عن المواطنين الذين هم اصحاب الدولة، وسيكون على هذه الحكومة ان تعمل وتسعى وتبدل الجهد وتكسب قوتها بنفسها في نطاق منظومة الدولة كما سيتم التوضيح، وينتهي بذلك سبب الصراعات ويحل محله الحافز والدافع للعمل والابداع وتحقيق النتائج الحقيقية على الارض، ويتحقق بالتوازي الهدف المحوري من عملية تفكيك النموذج الريعي وهو توظيف الموارد والامكانيات التي تم تخليصها وتحريرها من هيمنة وهدر النموذج الريعي الى وسيلة لتحقيق النهوض والتنمية الاقتصادية التي يشارك فيه جميع المواطنين ويعود مردودها على الجميع وبما يحقق الانتقال من دوامة واشكالية ( توزيع الثروة ـ Wealth Distribution ) القائمة حاليا الى وضعية ( صناعة الثروة ـ Wealth Creation ) وذلك عبر منظومة من الصيغ والوسائل والاليات العملية وبما يؤدي الى تحقيق النقلة من النموذج الريعي الحالي الغير قابل للعمل والغير قابل للترقيع الى نموذج دولة مواطنة حديثة يمتلكها مواطنوها بشكل فعلي، وبما يمكن هؤلاء المواطنون من تولى الصرف والانفاق على الحكومة نفسها. تفكيك النموذج الريعي سيكون عملية متشعبة ومترابطة تسير بالتزامن وفي نفس الوقت على مسارات ومحاور ( متوازية )، ومن المتوقع ان تستغرق هذه العملية مراحل زمنية تتراوح بين 3 الى 5 سنوات بحيث يمكن في خلال هذه الفترة تحقيق المستهدف المتمثل في انهاء استحواذ الحكومة على الموارد الريعية وتحويل هذه الموارد الى وسيلة للاستثمار تحت تصرف المواطنين، وفي نفس الوقت تمكين الحكومة من تغطية مصاريفها وميزانياتها عبر العوائد الضريبية بنسبة يتوقع ان تصل من 80 الى 90 ٪. ملاحظة عامة: لعله من المفيد التنويه والتذكير ان عملية تفكيك النموذج الريعي وتوظيف الموارد الريعية من اجل بعث نهضة تنموية قد تحتوي على بعض الصيغ والمفاهيم والاليات التي قد تبدو غريبة او غير مألوفة للبعض، وقد لاحظنا ذلك في اكثر من مناسبة، خاصة في ظل النمط والثقافة التقليدية التي لا تزال سائدة الى حد كبير خاصة على مستوى موضوع بناء وادارة الدولة، رغم ان هذه الصيغ والمفاهيم والوسائل المقصودة معروفة وتطبق بشكل يومي في اغلب دول العالم ، ولذلك فان من الهام جدا التريث عند الاطلاع والصبر الى حين الانتهاء من الاطلاع على الموضوع بشكل كامل قبل القفز الى الانطباعات او الاحكام المتسرعة. هناك الكثير من التفاصيل ذات العلاقة التي تم تأجيل الحديث عنها الى عمل اخر باذن الله وذلك مراعاة للاختصار وتبسيط الموضوع حسب ما هو ممكن. كذلك فان من الهام جدا ومن الافضل قبل التعامل مع هذا الموضوع الاطلاع اولا على المواضيع التالية والتأكد من الوصول الى مستوى مناسب من الوضوح والفهم الكافي لهذه المواضيع: ـ وسائل التمويل والمشاركة ودور تقنيات البلوكتشين، ـ صيغة الحكومة المتعددة المستويات، ـ نظام الحكم المحلي، ـ نظام الضرائب، …………… المقصود بتفكيك النموذج الريعي هو انهاء هيمنة واستحواذ الحكومة المطلق على موارد الدولة الريعية وبالتالي هيمنة الحكومة على الدولة نفسها، واعادة هذه الموارد الى الدولة، او بالاحرى اعادتها الى مواطني الدولة الذين هم اصحاب الدولة. الهدف المحوري الثاني من هذه العملية هو توظيف هذه الموارد من اجل بعث نهضة تنموية يشارك فيها الجميع ويعود مردودها على الجميع عن طريق صيغ ووسائل عملية بما يمكن هؤلاء المواطنين من ممارسة حقهم الطبيعي في المساهمة والمشاركة في بناء وطنهم وتنويع مصادر الدخل وتوفير ظروف الحياة الكريمة لانفسهم، وتؤدي في نفس الوقت الى توفير موارد ضريبية تكفي لتغطية مصاريف ونفقات الحكومة على المستويين المركزي والمحلي وبما يحل محل اعتماد الحكومة على الموارد الريعية، وسوف يتم تقديم وشرح طبيعة واسس هذه الصيغ والوسائل العملية. آن من الهام جدا التأكيد على ان الهدف ليس فقط تفكيك النموذج الريعي وإنهاء هيمنة الحكومة على الدولة وعلى موارد الدولة بل تحقيق الهدف الاخر الذي لا يقل اهمية وهو توظيف هذه الموارد الريعية من اجل تحقيق الانتقال من النموذج الريعي الحالي الذي يعد المسبب الرئيسي لحالة الفشل والاخفاق والصراعات التي يعاني منها هذا البلد الى نموذج دولة المواطنة الحديثة الذي تعود فيه الحكومة الى موقعها ودورها الطبيعي كـ (موظف عمومي) يعمل عند الدولة التي يمتلكها مواطنوها، وهؤلاء المواطنون هم الذين يتولون الانفاق على الحكومة وليس العكس، مع التذكير والتأكيد ان هذا الكلام ليس خيال او يوطوبيا كما قد يتصور البعض بل هو واقع قائم تطبقه وتمارسه في هذه اللحظة العشرات من الشعوب التي تجاوزت نموذج الدولة البدائية. تحقيق هدف تفكيك النموذج الريعي والانتقال الى نموذج دولة المواطنة سوف يحتاج الى فترة زمنية تتراوح بين 3 الى 5 سنوات، كما انه سيحتاج الى منظومة من الصيغ والوسائل والاليات العملية التي تعمل بالتزامن والتوازي على محاور متوازية، وسوف يتم تقديم وشرح اسس وملامح هذه الصيغ والوسائل في هذه الوثيقة مع ترك التوسع في التفاصيل الى عمل اخر سيأتي في مرحلة لاحقة بأذن الله، ومن الهام التذكير والتأكيد على ان جميع عناصر ومكونات (منظومة الدولة) سيكون لها علاقة وتأثير ويشمل ذلك النظام السياسي. المحاور او المسارات ( المتوازية ) لعملية تفكيك النموذج الريعي: هناك عدد من المحاور التي سوف تتم عن طريقها عملية تفكيك النموذج الريعي وتوظيف الموارد الريعية من اجل بعث نهضة تنموية، ومن الهام جدا التأكيد على ان جميع هذه المحاور او المسارات تسير بشكل متزامن ومتوازي مع بعضها البعض، بمعنى ان التقدم يحدث بصورة متوازية ومتزامنة بين مختلف المحاور وليس بصورة متسلسلة او متتابعة ( Serial ) بحيث ان الخطوة رقم 2 لا يمكن ان تحدث الا بعد الانتهاء من الخطوة رقم 1. ـ المسار الاول تأسيس وتشغيل سوق مالي حديث يشمل في المرحلة الاولى سوق للاسهم وسوق للسندات (الصكوك) ومن الممكن التوسع بعد ذلك عن طريق اضافة اطر تشريعية وتنفيذية لوسائل اخرى مثل حاضنات الاعمال ورأس المال المغامر وغيرها. عملية بناء وتشغيل هذا السوق المالي ستتم بالاعتماد على تقنيات البلوكتشين (Blockchain) وتقنيات ترميز الاصول ( Assets Tokenization) التي تقوم على تحويل الاصول (Assets) مثل اسهم الشركات والسندات والصكوك والعملات ووسائل الدفع وغيرها الى ( رموز ـ Tokens) قابلة للعمل على البلوكتشين بحيث يصبح بالامكان تداول وتبادل وبيع وشراء هذه الاصول المرمزة على البلوكتشين وفقا لميزات الامان والشفافية وسهولة التشغيل والسرعة والمرونة التي توفرها تقنيات البلوكتشين بشكل تلقائي، وبالامكان الاستعانة بالوسائل والتقنيات الاخرى ذات العلاقة مثل تقنيات (المؤسسة الذاتية اللامركزية ـ Distributed Autonomous Organization DAO )، مع التذكير ان البلوكتشين تتيح المجال امام الجميع لمراقبة العمليات بشفافية كاملة ومن الممكن ايضا فتح المجال امام اشتراك من يرغب في عمليات التحقق التي هي جزء من ما يسمى بعمليات ( التعدين - Mining)، كما ان البلوكتشين تقنية (متوزعة ـ Distributed) بحيث لا توجد نقطة او موضع واحد يمكن ان يؤدي الى تعطيل التطبيقات (No Single Point of Failure) ، والتقنيات والوسائل الضرورية لتنفيذ التطبيقات المذكورة متاحة بشكل فعلي ويمكن تشغيلها في خلال فترة زمنية قد لا تتعدى بضعة اسابيع، وفي العديد من دول العالم يجري العمل حاليا لنقل تطبيقات اسواق المال من الاعتماد على التقنيات والوسائل التقليدية القديمة الى الاعتماد على تقنيات البلوكتشين. ان بالامكان تقريب الصورة عن طريق المقارنة بين انظمة الهاتف التقليدية الارضية وانظمة الهاتف النقال، حيث كانت انظمة الهاتف التقليدية الارضية معقدة وصعبة وتفتقر الى المرونة وتكاليفها باهضة واعطالها كثيرة، بينما في المقابل فان انظمة الهاتف النقال توفر ميزات المرونة والسهولة وانخفاض التكاليف وقلة الاعطال، وهذا يفسر ان الكثير من الدول الافريقية تجاوزت بشكل كامل شبكات الهاتف الارضية ولا توجد لديها هذه الشبكات واعتمدت على تقنيات الهاتف النقال التي اصبحت منتشرة في كل مكان بما في ذلك في قلب الادغال. المقارنة بين التقنيات التقليدية التي تعتمد عليها اسواق المال مع تقنيات البلوكتشين تشبه الى حد كبير المقارنة بين شبكات الهاتف الارضي مع شبكات النقال، الفرق الوحيد هو ان مساحة الفارق اكبر واوسع في حالة البلوكتشين مقارنة مع الوسائل التقليدية، فالمقارنة تكاد تكون غير منطقية بسبب اتساع مسافة الفارق. وباختصار فان هذا المسار او المحور يهدف الى تكوين سوق مالي ليبي يعتمد على احدث وسيلة تقنية متاحة حاليا وهي تقنية البلوكتشين بما يتيح المجال للقيام بمختلف عمليات اسواق المال على هذه المنصة مثل اصدار وتداول اسهم الشركات واصدار وتداول السندات والصكوك وغيرها من عمليات اسواق المال، وبما يوفر اعلى درجات الامان والشفافية والمرونة، وفي نفس الوقت اسهل وارخص وسيلة للتطبيق العملي على ارض الواقع. ـ المسار الثاني ( بالتوازي مع المسارات الاخرى): الايرادات والموارد المالية الريعية التي تستحوذ عليها الحكومة حاليا يتم تحويلها عبر مراحل تدريجية الى المواطنين بحيث يتحصل كل مواطن على مبلغ مالي يتم تحديده، وهذا المبلغ المالي لا يتم صرفه في صورة سيولة نقدية (كاش) قابلة للصرف الاستهلاكي بل في صورة ( كوبون الكتروني ـ Token) صالح فقط لشراء اصول استثمارية مثل اسهم الشركات او السندات الحكومية او السندات البلدية او الصكوك، وهذه الاصول الاستثمارية ستكون معروضة ومتاحة للتداول في سوق المال الذي تم الحديث عنه في المسار الاول اعلاه، على ان تكون صلاحية التوكن ( الكوبون الالكتروني) محددة بسنة واحدة قابلة للتجديد في مقابل رسوم تجديد يفضل ان لا تقل عن 10٪ من قيمة الكوبون وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الكوبونات التي لديهم في شراء استثمارات وعدم الاحتفاظ بها وتخزينها لفترات طويلة. اذا افترضنا بعملية حسابية بسيطة ان قيمة الكوبون الذي سيستلمه كل مواطن في كل سنة هو 5000.0 (خمسة الاف) دينار في السنة الاولى، وان عدد سكان ليبيا هو 7 مليون، فأن هذا سيعني توفر مبلغ 35 مليار دينار جاهزة لتمويل الاستثمارات والمبادرات والمشاريع عبر الية سوق المال الشفافة والمتوازنة، مع ملاحظة ان هذا المبلغ يساوي تقريبا نصف الميزانية التي يتم هدرها حاليا كل سنة على دعم الوقود. هذا المبلغ سيكون تحت ملكية جميع المواطنيين الليبيين، وسيكون بالامكان استخدام جزء من هذا المبلغ في ”خصخصة“ الشركات الحكومية الحالية عن طريق ادراجها في سوق المال وعرض اسهمها للتداول وتمكين المواطنين من شراء هذه الاسهم عن طريق استثمار المبالغ المتاحة لديهم في صورة كوبونات، وبذلك تحويل ملكية هذه الشركات الحكومية، او جزء من ملكيتها، الى هؤلاء المواطنين بدل تخصيصها لفرد او عائلة او مجموعة افراد على حساب سبعة مليون انسان كما يحدث في الخصخصة التقليدية، كما سيكون ايضا بالامكان تمويل المبادرات والمشاريع والشركات الجديدة التي تنجح في اقناع المواطنين لشراء اسهمها عن طريق استثمار ما يتوفر لدى المواطنين من اموال في صورة كوبونات، كما سيكون بامكان البلديات ان تقوم بتمويل مشاريع ومبادرات تتعلق بالبنية التحتية والخدمات العامة عن طريق اصدار السندات (الصكوك) البلدية واقناع المواطنين بشراء هذه السندات عن طريق استثمار الاموال المتوفرة لديهم في صورة كوبونات كما سيتم توضيحه بمثال عملي. اعتماد وتطبيق هذا الترتيب سيؤدي الى: ـ توفير مصدر تمويل عبر الية سوق المال المصمم اصلا لكي يكون شفاف وفعال وتنافسي ومتوازن وخاضع بشكل تلقائي لعوامل السوق والعرض والطلب التي لا تحابي احد، وسوف يؤدي بالتالي الى بعث نهضة تنموية تنافسية يشارك فيها جميع المواطنين ويعود مردودها على جميع المواطنين وعلى الدولة بصفة عامة، ـ توفير فرص استثمار وعمل جديدة تستوعب اعداد كبيرة من العاطلين عن العمل، وتستوعب كذلك نسبة من البطالة المقنعة من الذين يعملون حاليا في وظائف حكومية لا ضرورة لها بما يخفف الضغط على الحكومة، وبالامكان ربط عملية صرف الكوبونات بالوظائف الحكومية بحيث يمكن تخصيص حوافز اضافية للذين هم مستعدون للتخلي عن الوظائف الحكومية. ـ توفير مصادر دخل جديدة للمواطنين بما يمكنهم من تحسين مستواهم المعيشي، ـ تخفيف الاحتقان الشعبي وتخفيف مشاعر الاحباط والشعور بالغبن والتهميش واشعار المواطنين بصورة عملية انهم جزء من عملية التنمية، وهذا سيؤدي الى تحسن واضح على مستوى السلم الاجتماعي والشعور بالانتماء الوطني وما ينتج عن ذلك من ايجابيات، ـ تحسن جذري في الوضع الامني، حيث ان هذه الترتيبات سوف تدفع وتشغل اغلب المواطنين في العمل والمبادرات والمشاريع بدل الوقوع ضحية الفراغ والشعور بالاحباط والسخط على المجتمع، والمعروف ان الفراغ والاحباط والشعور بالغبن والتهميش هي احد اخطر اسباب الانفلات الامني. ـ ارتفاع وثيرة النشاط الاقتصادي والمبادرات والمشاريع سوف يؤدي الى توفير مصادر ضريبية متنامية لتمويل نفقات وميزانيات الحكومة على المستويين المركزي والمحلي، والمستهدف هو تغطية النفقات والميزانيات الحكومية على المستويين المركزي والمحلي بنسبة لا تقل عن 90٪ في خلال فترة زمنية تتراوح بين 3 الى 5 سنوات بحيث ينتهي اعتماد الحكومة على الموارد الريعية. المسار الثالث ( بالتوازي مع المسارات الاخرى) ـ يتم تشكيل عدد من الصناديق الاستثمارية السيادية (السيادية بمعنى ان تبعيتها تكون للدولة) بحيث لا يقل عدد هذه الصناديق عن 5 لتحقيق نوع من التنوع والتنافس، ومن الممكن ان تكون اسهم هذه الصناديق ايضا معروضة للتداول، والغرض الرئيسي من هذه الصناديق السيادية هو تمكين وتسهيل عملية تحويل ملكية الشركات الحكومية الحالية الى ملكية المواطنين عبر سوق المال، بحيث يكون الهدف هو تحويل الشركات الحكومية العامة مثل شركة الكهرباء وشركات الاتصالات والنفط والاسمنت والطيران والحديد والصلب والمصارف وغيرها الى شركات مساهمة وعرض اسهم هذه الشركات للتداول في سوق الاسهم بما يمكن المواطنين من شراء اسهم هذه الشركات باستخدام الكوبونات التي تم صرفها لهم وبما يحقق نقل ملكية هذه الشركات، او جزء من ملكية هذه الشركات، الى ملكية المواطنين. دور صناديق الاستثمار السيادية سيكون شراء نسبة من اسهم هذه الشركات المستهدفة بالخصخصة بحيث تبقى هذه النسبة بمثابة ملكية عامة بينما تخضع الشركة في نفس الوقت لمعايير سوق الاسهم المعروفة من حيث الادارة والشفافية وغيرها، وينبغي ان لا تتجاوز النسبة التي تستحوذ عليها هذه الصناديق السيادية 49 ٪ وعلى سبيل المثال فان بالامكان تجزئة شركة الكهرباء الحكومية الحالية الى عدد 3 او 4 شركات مساهمة تعمل في مجال توليد الكهرباء والطاقات المتجددة وذلك عن طريق (تأجير) محطات توليد الكهرباء الحالية لهذه الشركات المساهمة مع بقاء ملكية هذه المحطات للدولة، وعدد 3 او 4 شركات اخرى تعمل في مجال تشغيل وصيانة شبكات الكهرباء، كذلك عن طريق تأجير هذه الشبكات مع بقاء ملكيتها للدولة، وكذلك عدد من الشركات التي تعمل في مجال تقديم الخدمات النهائية للمستهلكين، وذلك لخلق نوع من التنافس، ونفس الشئ ينطبق على الشركات العامة الاخرى بطريقة مشابهة مثل شركات الاتصالات والنفط والاسمنت والحديد والصلب والطيران والمصارف وغيرها بحيث تتحول هذه الشركات الى شركات مساهمة يمتلكها المواطنون بالكامل او يمتلكون نسبة منها لا تتجاوز 51 ٪ في حالة الشركات ذات الطبيعة الاسترتيجية الحساسة، وتسري على جميع هذه الشركات معايير وشروط اسواق الاسهم المعروفة مثل الالتزام بالصيغ والنظم والمعايير الادارية والمحاسبية المتعارف عليها عالميا، والالتزام بمبادئ الشفافية والافصاح، مع التذكير ان قيمة هذه الشركات ستكون مرتبطة بقيمة اسهمها القابلة للتداول من حيث الصعود والهبوط، والمتوقع ان تظهر شركات ناجحة سترتفع قيمة اسهمها وترتفع بالتالي قيمتها السوقية بما يحقق عوائد للمساهمين ويزيد من الاقبال عليها، وفي المقابل فان من الممكن ان تظهر شركات اخرى اقل نجاحا وقد تتعثر وتنخفض اسهمها وتنخفض بذلك عوائد المساهمين فيها بما يدفعها ويجبرها على القيام بالاصلاحات الضرورية لتحسين ادائها. وبالاضافة الى ذلك فان بالامكان استخدام صناديق الاستثمار السيادية لتشجيع تأسيس شركات مساهمة جديدة في المجالات الحيوية الاستراتيجية التي تعاني حاليا من النقص، وعلى سبيل المثال فان بالامكان تأسيس شركات مساهمة للتأمين الصحي وشركات اخرى مساهمة لادارة المستشفيات وتقديم الخدمات الصحية بما يساهم في تخفيف العجز الحالي في هذه الخدمات، بحيث ان يكون المستهدف ان تتحول ملكية اسهم هذه الشركات بشكل تدريجي الى المواطنين. المسار الرابع ( بالتوازي مع المسارات الاخرى). سيكون المجال متاح للمواطنين لتأسيس شركات ومبادرات ومشاريع جديدة في مختلف المجالات، وسيكون بامكانهم الاستفادة من الخدمات والتمويلات التي يوفرها سوق المال، وسيكون على المبادرين والمؤسسين اقناع المواطنين بالاستثمار في مبادراتهم وشركاتهم ومشاريعهم عن طريق استخدام الموارد المالية المتوفرة لدى المواطنين في صورة كوبونات. البلديات سيكون عليها تشجيع المبادرات والمشاريع الجديدة عن طريق تسهيل وتبسيط وتسريع الاجراءات وتوفير وتطوير وتحسين البنية التحتية، والاهم من ذلك فتح مناطق صناعية وتجارية جديدة، والبلديات الناجحة سيكون بامكانها جذب الاستثمارات وتوسيع وثيرة النشاط الاقتصادي داخل نطاق قاعدتها الضريبية بما يوفر للبلدية موارد ضريبية كافية لتغطية ميزانية البلدية دون الحاجة الى انتظار مساعدات او ميزانيات الحكومة المركزية، بينما قد تتعثر بعض البلديات في القيام بذلك مما يؤدي الى تضائل عوائدها المالية الضريبية ووقوعها في حالة عجز مالي، وهذا سيدفع البلدية بشكل قسري الى القيام بالتغييرات والتعديلات الضرورية والتي قد تشمل البحث عن قيادات مؤهلة قد تكون من خارج نطاق البلدية ولن يكون من المستغرب ان تنتخب بلدية من شرق البلاد عميد لها من الغرب، او ان تنتخب بلدية من الغرب عميد لها من الجنوب، وهكذا، لان التأهيل والقدرة على الاداء ستصبح هي المعيار القسري الضروري وليس الجهوية او القبلية، مثال مبسط لاستخدام وسيلة السندات (الصكوك) البلدية.. لنفترض ان متوسط عدد السكان في اغلب البلديات الليبية هو 100 الف نسمة، واذا افترضنا ان كل مواطن سيحصل على كوبون بقيمة 5000.0 دينار كل سنة فان هذا سيعني ان متوسط المبالغ المالية المتاحة لدى المواطنين للاستثمار في البلدية سيكون 50 مليون دينار سنويا، وكما سبق التوضيح فان هذه الكوبونات لا تصلح ولا يمكن صرفها الا في شراء استثمارات في سوق المال. السندات (الصكوك) البلدية هي احدى وسائل الاستثمار التي ستكون متاحة امام البلديات للاستفادة بطريقة شفافة ومتوازنة من هذه الموارد. لنفرض على سبيل المثال ان البلدية ستحتاج الى شق طريق جديد داخل نطاق البلدية طوله 10 كيلومترات، وان تكاليف هذا المشروع تبلغ 12 مليون دينار. في الصيغة التقليدية سيكون على البلدية ان تطلب التمويل من الحكومة المركزية الريعية، وقد يكون عليها تشكيل وفد من المشايخ والاعيان لكي يذهب ويطلب مقابة رئيس الحكومة الريعية ويرجوه ان يوافق على منح المبلغ المطلوب لمشروع شق الطريق، هذا في حالة ان وفد الاعيان استطاع ان يتحصل على الاذن بمقابلة معالي رئيس الحكومة، وعلى افتراض انه تمت الموافقة على المشروع فان الاجراءات سوف تستغرق في العادة بضعة سنوات. بعد الموافقة على المشروع وتحويل الميزانية الى البلدية تبدأ المرحلة الاخرى الريعية المعروفة، حيث سيتم في الغالب منح المشروع للمقاول الفلاني لانه ابن عم او نسيب المسئول الفلاني في البلدية، وهناك احتمال ان جزء معتبر من ميزانية المشروع سوف تتبخر قبل بداية تنفيذ المشروع، وباقي القصة معروف، وهناك احتمال ان الصراعات والضغائن والاحقاد سوف تنتشر داخل نطاق البلدية بسبب محاولة الاستحواذ على المشروع، وقد يستغرق الامر عشرة او عشرين سنة لتنفيذ مشروع الطريق، هذا على افتراض انه تمت اصلا الموافقة على المشروع وتم تخصيص وصرف الموارد المالية اللازمة، وهو افتراض ضعيف قد لا يتجاوز 10 او 20 ٪ في احسن الحالات. وقس على ذلك جميع المشاريع الاخرى. وهذا السيناريو ليس خيال بل هو توصيف حقيقي للذي يحدث على ارض الواقع، ليس بالضرورة في جميع الحالات ولكن في نسبة كبيرة من الحالات. في المقابل وحسب الصيغ والوسائل والاليات التي يقدمها مشروع دولة المواطنة، فأن بإمكان البلدية ان تقوم بتمويل مشروع الطريق، او اي مشروع اخر مشابه في نطاق البلدية، عن طريق اعداد دراسة جدوى بخصوص مشروع الطريق واحتساب العوائد الضريبية التي تتوقع البلدية ان تتحصل عليها من خلال تنفيذ هذا المشروع، حيث ان شق الطريق ينبغي ان يؤدي الى توسيع وتعزيز وتطوير النشاط الاقتصادي داخل البلدية بنسبة معينة لنفترض انها 5 ٪ وقد يشمل ذلك ظهور احياء سكنية جديدة، او ظهور مناطق صناعية جديدة ومحلات وورش ومحطات وقود وغيرها، وهذا التوسع في النشاط الاقتصادي الذي نتج عن شق الطريق سوف يكون له بطبيعة الحال انعكاس ايجابي على الموارد الضريبية للبلدية بما يمكن البلدية من تحقيق عوائد اضافية تكفي لتغطية مصاريف تمويل المشروع عبر فترة التمويل التي سنفترض انها 10 سنوات. الية وسياق تمويل مشروع هذا الطريق عبر السندات (الصكوك) البلدية ستكون كالاتي: تقوم البلدية بالتعاون مع احد المؤسسات المالية المختصة بإصدار سندات (صكوك) بلدية بقيمة 12 مليون دينار وهي قيمة تكلفة المشروع، ويتم تقسيم هذا المبلغ الى عدد من السندات (الصكوك)، ولو افترضنا ان العدد هو 120 الف فان هذا سيعني ان كل سند (صك) ستكون قيمته 100 دينار، ويتم تحديد عمر السند بفترة زمنية عشرة سنوات، ويتم تحديد المردود اما على طريقة السندات التي تقتضي تحديد نسبة المردود (مثلا 5 ٪) او على طريقة الصكوك التي تقتضي تحديد نسبة مردود من خلال عوائد المشروع، او استخدام الطريقتان وترك الخيار للمستثمرين لشراء ما يناسبهم. يتم عرض هذه السندات والصكوك للتداول في السوق بحيث يمكن للمواطنين استخدام الكوبونات المتوفرة لديهم لشراء هذه السندات/الصكوك وتحقيق عوائد استثمارية، مع التذكير ان بالامكان تداول هذه السندات/الصكوك بالبيع والشراء في سوق المال، المؤسسة المالية يمكنها في هذه الاثناء تحويل قيمة المشروع الى البلدية بحيث يمكن الشروع في التنفيذ، بينما تستمر المؤسسة المالية في بيع السندات/الصكوك ، وفي العادة فان المؤسسة المالية تتحصل على نسبة متفق عليها لتغطية مصاريفها. البلدية باعتبارها الجهة التي اصدرت السندات/الصكوك عليها التزام قانوني بترجيع قيمة السند/الصك الى صاحبه الذي اشتراه عند انقضاء عمر السند/الصك المحدد سلفا بالاضافة الى تسديد العوائد (الارباح) التي تم الاتفاق عليها سلفا، وهذا الالتزام القانوني يشبه في قوته القانونية قوة الصكوك المصرفية. والخلاصة هي ان البلدية تحصلت على تمويل للمشروع وعليها التزام قانوني لا يسقط بترجيع قيمة هذا التمويل مضافا اليه العوائد التي تم الاتفاق عليها، وهذا السياق او الطريقة التي يتم عبرها التمويل سوف تقلل بشكل جذري من حالات الفساد والهدر وتضع التزام قانوني واضح لا يسقط ولا يتقادم على البلدية، وتجعل البلدية حريصة على تنفيذ المشروع باقل التكاليف في اسرع وقت بما يؤدي الى رفع وثيرة النشاط الاقتصادي داخل البلدية وبالتالي رفع المردود الضريبي بما يوفر للبلدية مصدر لسداد التمويل في خلال مدة محددة، وفي نفس الوقت فان هذا السياق سيوفر للمواطنين مصدر دخل اضافي عن طريق العوائد التي يتحصلون عليها بناء على مشاركتهم في عملية التمويل، وفي نفس الوقت فانهم يساهمون في تنمية وتطوير بلديتهم وبلدهم مما سيخلق لهم شعور ايجابي بالانتماء.. مثال اخر ـ الاستثمار العقاري: هناك صيغ واليات ووسائل مختلفة للاستثمار العقاري في اسواق المال، احد الامثلة المشهورة هي صيغة ( Real Estate Investment Trust - REIT) ومن الممكن ترجمة هذا الاسم ) الصندوق الائتماني للاستثمار العقاري ). الطريقة التي تعمل بها هذه الصيغة هي تشكيل جسم استثماري تتم ادارته من طرف مجموعة من الاشخاص المختصين على ان يقتصر نشاطه على الاستثمار في مجال العقارات ويشمل ذلك تنفيذ عمليات بناء وتشييد المباني الجديدة، او شراء عقارات جاهزة لغرض الاستثمار، او شراء وتجديد المباني القديمة لغرض الاستثمار، ومن الممكن ان تكون المباني سكنية او تجارية او صناعية، ويتم تمويل هذا الاستثمار عن طريق اصدار اسهم وطرحها للتداول مثل اي اسهم اخرى، ويشترط على هذا الجسم ان يقوم بتوزيع ما لا يقل عن 90٪ من الدخل الصافي على المساهمين بصورة شهرية او ربع سنوية. هذا الجسم الاستثماري يخضع لجميع شروط ومعايير اسواق الاسهم مثل ضرورة الالتزام بالمعايير الادارية والمحاسبية المتعارف عليها، وضرورة نشر البيانات المالية والمحاسبية بصفة دورية كل 3 اشهر بعد التصديق على هذه البيانات من طرف مراجع قانوني معروف. هذه الصيغة تتيح لجميع المواطنين المساهمة والمشاركة في عمليات الاستثمار العقاري باستخدام الموارد المالية المتاحة لديهم في صورة كوبونات بما يحقق لهم الاستفادة المادية، وفي نفس الوقت فانها تتيح لشركات الاستثمار العقاري الحصول على التمويل المالي اللازم لتنفيذ مشاريع كبيرة تصل تكاليفها الى مئات الملايين بما يساهم في صنع نهضة عمرانية وحل مشكلة السكن، وكل ذلك يتم عبر وسائل شفافة مصممة لمنع الفساد بطريقة شبه تلقائية ولتحقيق اعلى نسبة ممكنة من الفاعلية والكفاءة، وبسبب الطبيعة التنافسية التي صممت اسواق المال على اساسها فسوف تظهر بسرعة الشركات العقارية المساهمة الناجحة، وسوف يزيد اقبال الناس على شراء اسهمها، وسترتفع بذلك قيمة اسهم تلك الشركات بما يحقق الاستفادة للمساهمين، وفي المقابل سوف تظهر ايضا شركات متعثرة وسوف يقل الاقبال على شراء اسهم تلك الشركات وتزداد رغبة مالكي اسهم تلك الشركة لبيعها والتخلص منها، وسينعكس ذلك سلبا على قيمة تلك الشركات، وهذا سيرغم ادارة هذه الشركات على القيام بالاصلاحات والتعديلات اللازمة، وقد يؤدي الى قيام الجمعية العمومية التي تمثل مصالح المساهمين بممارسة حقها في تسريح الادارة الحالية وتعيين ادارة جديدة ودماء جديدة قادرة على تصحيح الوضع، وهكذا تدور العجلة وتنجح المشاريع ويتحقق النمو المنشود بعون الله. بوسع من يشاء طبعا مقارنة السياق الذي وصفناه اعلاه بالطريقة الريعية التقليدية التي تنفذ عن طريقها مشروعات الاسكان حاليا، وهذه المشروعات ـ ان وجدت اصلا ـ اما ان تكون مشروعات حكومية او مشروعات قطاع خاص تقليدي يتملكه افراد. بالنسبة الى مشروعات الاسكان والعقارات الحكومية فأن مصيرها معروف في اغلب الاحيان ولا يحتاج منا الى تمضية الوقت في الحديث عنها، وهي غالبا مرتع للفساد والعمولات والتأخير وسوء التنفيذ وسوء المتابعة. اما مشروعات القطاع الخاص التقليدي الذي يقوم على ملكية فرد او عائلة او بضعة افراد، فأن هذا القطاع الخاص يتعذر عليه غالبا الحصول على التمويل المالي الضروري ويكتفي بالمشروعات القزمية الصغيرة والهامشية، ونسبة المشاركة في هذا القطاع الخاص تكاد تكون معدومة مما يجعل المردود والعوائد ـ ان وجدت ـ تعود غالبا الى فرد معين او مجموعة صغيرة من الافراد على الاكثر. مثال اخر ـ القطاع الصحي: ملاحظة: المقصود من الحديث في هذا المقام عن ما يمكن القيام به في القطاع الصحي في اطار تفكيك النموذج الريعي هو فقط تبين بعض الملامح والاسس والافكار العامة المختصرة الى اقصى الحدود، وسيكون بالامكان التوسع في هذا الموضوع في عمل اخر بعون الله. تعاني ليبيا بشكل حاد من تردي وضعف الخدمات الصحية الحكومية رغم الميزانيات والمصاريف الطائلة التي يستهلكها هذا القطاع بدون مردود، اما القطاع الصحي الخاص فان تكاليفه مرتفعة بشكل مبالغ فيه بالنسبة الى اغلب المواطنين بما يجعل من هذه التكاليف عبئ حقيقي على اغلب الناس، بالاضافة الى ان هذا القطاع الصحي الخاص يعاني ايضا من مشاكل كثيرة في جودة الاداء والتشغيل وصعوبة الحصول على التمويل. بالامكان توظيف الصيغ والوسائل والاليات التي تم شرحها في اطار عملية تفكيك النموذج الريعي من اجل احداث تغييرات جذرية بنيوية في القطاع الصحي بما يجعله قطاع تنافسي قادر على القيام بدوره بطريقة فعالة ومستدامة ( Sustainable ) ومتوازنة من حيث الاداء والتكلفة ومستوى العبئ على المواطنين. بالامكان السير على هذه الخطوط المتوازية: ـ ادخال نظام التأمين الصحي عن طريق انشاء هيئة وطنية لادارة التأمين الصحي ( Insurnce Regulator) على ان تقوم هذه الهيئة باعتماد نمط تأمين صحي مناسب للحالة الليبية، وتقوم بوضع الاسس التنظيمية والتشغيلية التي يقوم عليها هذا التأمين بما في ذلك ما يسمى (قائمة الاسعار ـ Fee Schedule) وغيرها من الاسس الضرورية للتأمين الصحي حسب النمط الذي تم اعتماده، وبالامكان تغطية مصاريف هذا التأمين الصحي عن طريق اشتراكات المواطنين ومساهمات جهات العمل، وبالامكان ايضا تخصيص موازنات من الاموال العامة لتغطية جزء من هذه المصاريف. ـ يتم تأسيس عدد من شركات ادارة المستشفيات المساهمة بحيث تعود نسبة من اسهم هذه الشركات الى الصناديق الاستثمارية السيادية التي تم الحديث عنها، ويفتح الباب امام المواطنين لشراء باقي اسهم هذه الشركات باستخدام ما يتوفر لديهم من كوبونات، وبامكان هذه الشركات ان تدخل في اتفاقيات تعاون وعمل مشترك مع شركات عالمية متخصصة في ادارة المستشفيات، على ان تلتزم هذه الشركات بالعمل ضمن نظام التأمين الصحي. ـ الشروع في ( تأجير ) بعض مباني المستشفيات والمرافق الصحية الى شركات ادارة المستشفيات، بحيث تبقى ملكية هذه المباني والمرافق للدولة بينما تنتقل الناحية التشغيلية الى شركات ادارة المستشفيات التي تعمل ضمن نظام التأمين الصحي، ويصبح بامكان المواطنين المسجلين في نظام التأمين الصحي الحصول على الخدمة من هذه المستشفيات، وتتحصل شركات ادارة المستشفيات على مقابل تقديم الخدمة من شركات التأمين الصحي حسب ما هو معمول به في نظام التأمين الصحي. ـ تستمر عملية نقل الناحية التشغيلية للمستشفيات والمرافق الصحية الى شركات ادارة المستشفيات التي تعمل ضمن نظام التأمين الصحي الى ان يتحول القطاع بالكامل من الناحية التشغيلية الى هذه الشركات بينما تبقى ملكية المباني والمرافق تابعة للدولة. ـ المستشفيات والعيادات الخاصة سيكون بامكانها الانضمام للعمل ضمن نظام التأمين الصحي ويسري عليها نفس ما يسرى على المستشفيات والمرافق الصحية التي تقوم بتشغيلها شركات ادارة المستشفيات المساهمة، او بامكانها الاستمرار في العمل بنفس الطريقة الحالية دون الحاجة الى اخضاعها الى اي نظام يتعلق باسعار الخدمات التي تقوم بتقديمها. ـ هذا الترتيب سوف يخلق بيئة تنافسية تتميز بالكفاءة والفاعلية والتنافس من اجل تقديم افضل الخدمات، حيث ان شركات التأمين الصحي وشركات ادارة المستشفيات ستكون شركات مساهمة تسري عليها شروط ومعايير اسواق الاسهم من حيث الشفافية والافصاح والمعايير الادارية والمحاسبية، وسوف تظهر شركات ناجحة، وسيزداد الاقبال على شراء اسهم تلك الشركات بما سيحقق عوائد للمساهمين، وفي المقابل ستظهر شركات متعثرة وسيكون عليها القيام بالاصلاحات الضرورية والا فانها ستتعرض للمزيد من الخسائر وقد تضطر الى اعلان افلاسها. (نأمل ملاحظة ان هذه مسودة مبدئية ولا تغطي جميع التفاصيل)